السيد نعمة الله الجزائري
36
الأنوار النعمانية
الجواب اعلم انّ النائم غير كامل العقل لأنّ النوم ضرب من السهو والسهو ينفي العلوم ولهذا يعتقد النائم الإعتقادات الباطلة لنقصان عقله وفقد علومه ، وجميع المنامات انّما هي أعتقادات يبتديها النائم في نفسه ولا يجوز ان من فعل غيره فيه لأنّ من عداه من المحدّثين سواء كان بشرا أو ملائكة أو جنّا أجسام والجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا ابتداء ، بل ولا شيئا من الأجناس على هذا الوجه وانّما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء ، وانّما قلنا إنه لا يفعل في غيره جنس الإعتقادات متولّدا لأنّ الذي يعدّى الفعل من محلّ القدرة إلى غيرها من الأسباب انّما هو الأعتمادات ما يولد الإعتقادات وليس في جنس الأعتمادات يولد الإعتقادات ، ولهذا لو أعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل ما تولّد فيه شيء من الإعتقادات وقد بين وشرح في مواضع كثيرة ، والقديم يقال هو القادان يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الإعتقادات ولا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقاد لأن أكثر أعتقادات النائم جهل ويتأوّل الشيء على خلاف ما هو به لأنّه يعتقد انّه يرى ويمشي وانّه راكب وانّه على صفات كثيرة وكلّ ذلك على خلاف ما هو به وهو تعالى لا يفعل الجهل . فلم يبق الّا انّ الإعتقادات كلّها من جهة النائم ، وقد ذكر المقالات ان المعروف بصالح قبّة كان يذهب إلى انّ ما يراه النائم في منامه على الحقيقة ، هذا جهل منه يضاهي جهل السوفسطائية ، لأنّ النائم يرى أنّ رأسه مقطوع وانّه قد مات وانّه قد صعد إلى السماء ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كلّه ، وإذا جاز عند صالح هذا جاز ان يعتقد اليقظان في السراب انّه ماء ، وفي المرأى إذا كان في الماء انّه مكسور وهو على الحقيقة صحيح لضرب من الشبهة واللبن فالا جاز ذلك في النائم وهو من الكمال ابعد ومن النقص أقرب . وينبغي أن يقسم ما يتخيّل النائم أنّه إلى أقسام ثلاثة ، منها يكون من غير سبب يقتضيه ولا داع يدعو اليه اعتقادا مبتدأ ، ومنها ما يكون من وسواس الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيّا يتضمن أشياء مخصوصة فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام انّه يراه فقد نجد كثيرا من النيّام يسمعون حديث من يتحدّث بالقرب منهم فيعتقدون انّهم يرون ذلك الحديث في منامهم ، ومنها ما يكون سببه والداعي اليه خاطر يفعله اللّه تعالى أو يأمر بعض الملائكة بفعله . ومعنى هذا الخاطر ان يكون كلاما يفعل في داخل السمع فيعتقد النائم أيضا انّه ما يتضمّن ذلك الكلام ، والمنامات الداعية إلى الخير والصلاح في الدين يجب ان يكون إلى هذا الوجه مصروفة كما انّ ما يقتضي الشرّ منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة ، وقد يجور على هذا فيما يراه النائم في منامه ثمّ يصحّ ذلك حتّى يراه في يقظته على حدّ ما يراه في منامه ، وفي كلّ منام يصح تأويله ان يكون سبب صحّته انّ اللّه تعالى يفعل كلاما في سمعه لضرب من المصلحة بأن شيئا يكون أو قد كان